اليوم الآخر من هذه عقيدتنا


هذه عقيدتنا
اليوم الآخر
ونؤمن بفتنة القبر، ونعيمه للمؤمنين، وبعذابه لمن كان له أهلاً، كما جاءت به الأخبار متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نلتفت إلى تأويلات أهل البدع، وفي هذا قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيَّاً وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} [غافر: 46].

وعن زيد بن ثابت عن النبي عليه السلام قال: (... فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه)، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر... الحديث) [وهو في صحيح مسلم].

وفي حديث البراء بن عازب الطويل الذي يرويه الإمام أحمد وأبو داود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره: (... فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره).

وفتنة القبر؛ سؤال منكر ونكير للعبد فيه عن ربه ودينه ونبيه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت... اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وأما الكافر فيقول: (ها؟! ها؟! لا أدري)، ويقول المنافق والمقلد في دينه للأكثرية: (لا أدري! سمعت الناس يقولون قولاً فقلته).

وأحوال البرزخ من أمور الغيب التي يدركها الميت دون غيره، وهي لا تدرك بالحس في الحياة الدنيا، ولذلك فالإيمان بها مما يميز؛ المؤمن بالغيب عن المكذب به.

ونؤمن بأشراط الساعة التي أخبر الله تعالى بها في كتابه، وأخبر بها نبيه عليه الصلاة والسلام في سنته، من خروج الدجال على الحقيقة، دون التفات إلى تأويل أهل البدع، وإن كنا نعتقد أن من جنس فتنته ما هو موجود في كل زمان، إلى أن يأتي زمان خروجه على الحقيقة، ونؤمن بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام وهو الذي يقتله، وبطلوع الشمس من مغربها، وبخروج دابة الأرض وسائر ما أخبر الله تعالى به، أو أخبر به نبيه عليه الصلاة والسلام.

ونؤمن بالبعث بعد الموت، وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض، والحساب، وقراءة الكتب والميزان، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16]، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة عراة غرلاً غير مختونين، قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وقال تعالى: {وَنَضَعُ المَوَازِيْنَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئَاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].

ونؤمن بحوض نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في عرصات القيامة، وأن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته بعدد نجوم السماء، وطوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً... اللهم يا ولي الإسلام وأهله لا تحرمنا منه.

وأنَّ أصنافاً من أمة محمد عليه الصلاة والسلام سيذادون عنه، ويمنعون من وروده في يوم تدنو فيه الشمس من رؤوس العباد، حتى يكون عرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه عرقه إلجاماً.

وممن يذادون عنه ويمنعون منه؛ أعوان الأمراء الظلمة، الذين دخلوا عليهم وصدقوهم بكذبهم، وأعانوهم على ظلمهم، وكذلك يذاد عنه من بدل أو ابتدع أو أحدث في دين الله، ويومها يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (سُحْقاً سُحقاً لمن بدل بعدي).

ونؤمن بالصراط المنصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم ومن يزحف زحفاً، ومنهم من يُخطف خطفاً ويُلقى في جهنم، فإن على الجسر كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة ونجا... اللهم يا ولي الإسلام وأهله نجنا من النار.

فإذا عبروا عليه؛ وقفوا عند قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتَصّ من بعضهم لبعض، فإذا هُذّبوا ونُقُّوا، أذن لهم في دخول الجنة.

وأول من يستفتح باب الجنة؛ محمد عليه الصلاة والسلام، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته عليه الصلاة والسلام.

ونؤمن بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان لا تفنيان - إلا أن يراد فناء نار الموحدين - وأن الله خلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم فإلى الجنة بفضله، ومن شاء منهم فإلى النار بعدله.

والجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فيها من أنواع النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].

وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى أصلاً للكافرين، قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، ويدخلها عصاة المسلمين، ولكنها ليست دارهم التي أعدت لهم، ولذلك إذا دخلوها لم يخلدوا فيها، بل يعذبون بقدر ذنوبهم ثم مصيرهم إلى الجنة التي هي دار المؤمنين.

ونؤمن بالشفاعة التي أذن الله تعالى بها لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

فله في القيامة؛ ثلاث شفاعات:

أما الأولى: فشفاعته في أهل الموقف كي يقضي بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام عن الشفاعة، حتى تنتهي إلى نبينا عليه الصلاة والسلام.

أما الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له عليه الصلاة والسلام [6].

وأما الثالثة: فشفاعته فيمن استحق النار من الموحدين؛ أن يخرج منها، أو لا يدخلها، وهذا النوع له صلى الله عليه وسلم، ولسائر النبيين والصديقين والشهداء ونحوهم ممن أذن الله لهم، فيشفع فيمن استحق النار ألا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها.

ويُخرج الله تعالى من النار أقواماً بغير شفاعة، بفضله سبحانه ورحمته، ويبقى في الجنة فضل، فينشىء الله له أقواماً فيدخلهم الجنة.

والإيمان بالشفاعة؛ مزية نخالف بها الخوارج المخلِّدين لأهل الكبائر في النار.

ونؤمن برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وفي الجنة، كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23 - 24].

وكما تواترت الأخبار بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، ولسنا نشبه ربنا بشيء من خلقه، وإنما التشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية وضوحاً وحقيقة ودون مزاحمة، لا تشبيه المرئي بالمرئي، فمن عُدِم البصيرة والإيمان بهذا، فإنه لقمنٌ أن يُحرم هذه النعمة يوم المزيد، وهو سبحانه مع هذا؛ {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، وإنما أثبتنا ما أثبته الله سبحانه وتعالى من النظر إليه، وما أثبته نبيه محمد عليه الصلاة والسلام من رؤية المؤمنين له سبحانه، والنظر والرؤية شيء دون الإدراك، فقف عند حدود الله، ولا تحمِّل نصوص الوحي ما لا تحتمل، ولا ترد شيئاً منها أو تعطله، فتزل بك قدم الهلاك.

ومن آثار الإيمان بذلك:


  • عمل الجاد لتحصيل ما أعده الله تعالى للمؤمنين، والنجاة مما توعّد به الله العصاة والكافرين.

  • عدم الجزع لما يفوت المؤمن من حطام الدنيا، أو ما يناله من أذى وبلاء ومصائب لإيمانه ودعوته وجهاده، بما يرجوه من عوض الآخرة ونعيمها وثوابها.

    وغير ذلك من الثمرات الكثيرة، فليس الإيمان بذلك - كما يحسب كثير من الناس - أموراً معرفية علمية وحسب، بل هو إيمان، وتصديق، وإقرار يدفع إلى العمل.



    [6] وله صلى الله عليه وسلم شفاعة ثالثة خاصة به، وهي تخفيفه العذاب عن عمه أبي طالب، كما ثبت في الحديث.


  • Enregistrer un commentaire

    Plus récente Plus ancienne